ابن عطاء الله السكندري
القسم الثاني 36
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
وعند محققهم : المحبة : الاستهلاك في اللذة . والمعرفة : شهود في حيرة ، وفناء في هيبة . قال بعض الكبار : إن المحبة أول أودية الفناء « 1 » والمحو « 2 » .
--> ( 1 ) الغناء : بالفتح والمدّ عند الصوفية عدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازم نفسه . ففناء الشخص عن نفسه عدم شعوره ، وفناؤه عن محبوبه باستهلاكه فيه ، كذا في الإنسان الكامل في باب الإرادة . وقال المولوي عبد الحكيم في حاشية عبد الغفور : معنى الفناء في اصطلاح الصوفية تبديل الصفات البشرية بالصفات الإلهية دون الذات ، فكلما ارتفع صفة قامت صفة إلهية مقامها ، فيكون الحق سمعه وبصره كما نطق به الحديث ، وكذلك حال الفناء في النبي والشيخ انتهى . وقال عبد اللطيف في شرح المثنوي : الفناء عند الصوفية سقوط الأوصاف المذمومة والبقاء ثبوت النعوت المحمودة . وقيل : الفناء صفة الكون وما كان لأجل الكون والبقاء صفة الكون وما كان لأجل المكون انتهى . - وفي - توضيح المذاهب يقول : الفناء عند أرباب السلوك عبارة عن نهاية السير في اللّه ، وذلك لأن السير إلى اللّه ينتهي وقته عندما يقطع العبد صحراء الوجود بقدم الصدق مرة واحدة . ويتحقق السير في اللّه عندما يتطهر العبد من شوائب الحدثان بعد الفناء الذاتي المطلق . فيمنح تلك الدرجة حتى يتصف بأوصاف اللّه ويتخلّق بالأخلاق الربانية ، مترقيا فيها . انتهى . - وفي - مجمع السلوك - يقول : - الفناء هو الغيبة عن الأشياء رأسا كما كان فناء موسى حين تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا . وأبو سعيد خرازي ميكويد - يقول - علامة الفاني ذهاب حظّه من الدنيا والآخرة إلا من اللّه تعالى والبقاء الذي يعقبه هو أن يفني عمّا له ويبقى بما للّه تعالى . وقال بعضهم : البقاء مقام النبيين صلوات اللّه عليهم أجمعين . فجملة الفناء والبقاء أن يفني عن حظوظه ويبقى بحظوظ غيره . والفناء متنوع : الفناء عن الخلق ، والفناء عن النفس وأهوائها ، وفناء عن الإرادة ، ولكل واحد منها علامات . وقد قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في فتوح الغيب : وعلامة فنائك عن الخلق انقطاعك عنهم وعن التردد إليهم واليأس مما لديهم . وعلامة فنائك عنك وعن هواك ترك التسبب والتعلق بالسبب في جلب النفع ودفع الضر كما كنت مغيبا في الرحم وكونك طفلا رضيعا في المهد وعلامة فناء إرادتك بفعل اللّه تعالى أنك لا تريده إذا قط ، ولا يكون لك غرض ولا يقف لك حاجة ومرام ، بل لا تريد مع إرادة اللّه تعالى سواها ، بل يجري فعل اللّه فيك فتكون أنت إرادة اللّه وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان مشروح الصدر منوّر الوجه غنيا عن الأشياء بخالقها بقلبك كيف يشاء . وفي مجمع السلوك أيضا في موضع آخر الفناء عندهم هو أن لا ترى شيئا إلا اللّه ولا تعلم إلا اللّه وتكون ناسيا لنفسك ولكل الأشياء سوى اللّه ، فعند ذلك يتراءى لك أنه الرب ، إذ لا ترى ولا تعلم شيئا إلا هو ، فتعقد أنه لا شيء إلا هو ، فتظن أنك هو فتقول أنا الحق ، وتقول ليس في الدار إلا اللّه ، وليس في الوجود إلا اللّه وفي كشف اللغات يقول : طريق الفناء في اصطلاح العشّاق هو طريق العشق ، والذاكر في ذلك الطريق يقال له ذكر . ( كشاف اصطلاحات الفنون 2 / 1291 - 1293 ) . ( 2 ) المحو : بالفتح وسكون الحاء في اللغة الفارسية : إزالة الكتابة عن اللوح . وعند الصوفية هو -